لغة الأضداد!

سبتمبر 5, 2009
 

 

الاوروبيّون ليسوا جادّين حقا في مسألة الوحدة. كلاّ. إنّهم فقط يفعلون ذلك نكاية بي. دول مثل سوق الخردة، كلّ دولة لها في رقبة الاخرى طوفان من الدّم، خلطة متنافرة من الألسن مثل بهارات كالكوتا.. ومع ذلك، يتسمّت هؤلاء الخبثاء حول الطاولة، ويتصنّعون المودّة والألفة، وينفقون الوقت والمال والجهد، ولاهدف لهم من وراء ذلك إلاّ أن يجعلوني أتسمّم من الغيظ.

هراء. لن اترك لهم فرصة للفتك بي. لن اشاهد التلفزيون، ولن أقرأ الصّحف، ولن اسمح بدخول (اليورو) الي مطبخنا حتّى لومتنا من الجوع. دعهم يكملوا وحدتهم. دعهم يخسروا الوقت والمال والجهد، ليكتشفوا في النهاية انني لم أرَ ولم اسمع ولم أتسمّم من الغيظ، وأن مؤامرتهم لم تنجح.

ثمّ تعالوا.. لماذا اغتاظ؟

ماذا عندهم احسن ممّا عندنا؟

عندهم (بطاطا)؟ عندنا (بتاتاً)، واحذية (باتا) ايضا! عندهم شبكات مواصلات متلاحمة؟ عندنا شبكات كلمات متقاطعة: كلّ ثلاث او اربع خانات تقف في بلعومها خانة سوداء: (الموت للخونة)!

– أفقيا: يحاول زيارة بلد شقيق (ملحوظة: اسمك على الكومبيوتر. هل تودّ الرّجوع من حيث جئت، ام تُفضّل الدّخول في هذه الخانة الناصعة السّواد؟):

أربعة حروف: (يُحَبس)!

– عموديا: يطمح إلى المعالي: اربعة حروف: (يُشنق)!

ماذا عندهم؟ هاه؟ قوس (الرّخام؟ عندنا قوس قزح، ونجوم الظهر ايضا. عندهم (انتخابات)؟ عندنا (انتحابات). عندهم بيتزا؟ عندنا خارطة الوطن العربي! هل عندهم (لغة ضاد)؟ هيهات. نحن فقط عندنا، ومرفق طيّها شاعر أشعث أيضاً ينطّ في وجهك كلّما فتحت الاطلس:

فلا حَدٌّ يُباعدُنا  

ولا دينٌ يُفرّقُنا

لِسانُ الضّادِ يجمعنا

بعدنانِ وقحطانِ

أمّا الدّين الذي لا يفرّقنا فمعلوم!

وأمّا (الضّاد) فنحن بفضل الباري ننطق به مثل الكناري: في الخليج والعراق نٌدلّله فنجعله (ظاءً). وفي مصر والشام ندلّلهُ أيضاً فنجعله (طاءً). أمّا في المغارب المزيانة ف..(إشنو يعني الدّاد؟).

هذا ليس مُمهّاً. المهم أن الضاد يجمعنا بعدنان وقحطان. ولأننا اسريّون جدا، فنحن لا نجتمع في العادة الا في (بيت خالتنا)!

قل لي.. هل عند الاوروبيين اسماء اضداد؟

مستحيل. ليس على وجه الارض أمّة عندها اسماء (زهيرية) أكثر منّا.

مثلاً: مولى: سيّد مطاع، وأيضا عبد مملوك.

مثلاً: سليم: صحيح البدن، وايضا ملدوغ.

مثلاً: جُونه أبيض خالص ، وايضا اسود خالص.

مثلا: مهيب: رتبة عليا للعسكري الاصيل المخضرم في الجندية، وايضا لابن الشوارع الهارب من التجنيد.. وهَلمجّرا..

وعلى فكرة، ليس لدى الاوروبيين (هَلُمَّ جَرّاً). المواطن عندهم لا يأتي جَرّاً حتى لو أرادت اجهزة المخابرات ان تطمئن على صحّته!

كلّ هذا، والمرحوم عبدالله القصيمي ظل يردد حتى آخر حياته ان العرب ظاهرة صوتية!

غفرالله لك يا رجل. هذا افتراء فمتى كان لنا صوت حتى يكون ظاهرة؟!

الصوت الوحيد الذي امكن للعرب ان يطلقوه خلال اربعة عشر قرناً هو.. (صوت السهارى)!

أحمد مطر

 

رب ضارة نافعة

أغسطس 30, 2009

أكاد أجزم بأن أكثر الكلمات التي بحث عنها المغاربة بالأمس في محركات البحث عبر الأنترنيت هي كلمة «روطا فيروس»، وهو اسم المرض الذي أصاب الملك واضطره إلى أخذ خمسة أيام من الراحة. وفي وسائل الإعلام التي صدرت يوم الخميس، يمكن للراغبين في معرفة تفاصيل حول قدرات «روطا فيروس» أن يعثروا على ما يشفي فضولهم. فهو -حسب التعريفات الطبية التي نشرتها الصحف- يتسبب في الإسهال الحاد والاجتفاف والحمى ونوبات الغثيان. الملك، إذن، يشبهنا، سيقول البعض مندهشا.. إنه يمرض مثلنا تماما. وربما كانت هذه هي الرسالة الخفية التي يحملها بلاغ وزارة القصور والتشريفات والأوسمة.. الملك أيضا يحدث أن يمرض. وأول من يجب عليه أن يقرأ هذه الرسالة بتمعن هو الوزير الأول عباس الفاسي الذي يأتي في المرتبة الثانية في ترتيب هرم السلطة بعد الملك. ورغم أننا نملك في أرشيف هذه الجريدة صورا لعباس الفاسي وهو منهار كليا فوق أرضية المطار بمناسبة استقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وقد تحلق حوله وزير الصحة بيد الله آنذاك ووزراء استقلاليين لإخفائه عن عدسات المصورين، ورغم كل السقطات التي تعرض لها في لقاءات رسمية وخاصة، بسبب أعراض مرض السكر والشيخوخة، يصر عباس الفاسي على أن حالته الصحية على أحسن ما يرام. ولكي يبرهن على ذلك قال لمجلة «جون أفريك» إنه يحدث له أن يتسابق مع رياضيين شباب ويحدث أن يسبقهم. ولعل الجميع استغرب كيف أن الملك يكشف عن نوع مرضه واسم الفيروس الذي أصابه، في الوقت الذي رفض فيه عباس الفاسي إصدار ولو بلاغ حكومي قصير يشرح فيه للمغاربة نوع المرض الذي أصاب وزيرة الثقافة وغيبها عن المجالس الحكومية لأشهر. إن الملوك ورؤساء الدول والوزراء الأولين والمسؤولين السامين يمرضون أيضا مثل بقية البشر. ومن حق الرأي العام أن يطلع على الحالة الصحية لمن يحكمونه. والملك عندما أعطى أوامره بإطلاع شعبه على العارض الصحي الذي أصيب به ونوع الفيروس الذي تعرض له وتحديد الأعراض التي ظهرت عليه بسبب هذا الفيروس، أراد أن يوجه رسالة مفادها أنني أمرض وأتعافى، أغضب وأفرح، أتعب وأستريح، أتألم وأتلذذ، أنام وأصحو، أعمل وأستريح، آكل وأشرب وأتجول في الشوارع.. يعني أنني بشر مثلكم وأشعر بنفس ما تشعرون به من صحة وعافية وأتعرض للمرض كما يمكن أن تتعرضوا له. هذه، إذن، إشارة سياسية على درجة كبيرة من الأهمية. ولعلكم تذكرون أنه في مصر عندما كتب الصحافي صلاح عيسى قبل سنة أن الرئيس حسني مبارك مريض، أعطى الرئيس أوامره بجر الصحافي إلى القضاء بتهمة ترويج أخبار كاذبة من شأنها أن تخيف المستثمرين الأجانب وتهدد اقتصاد البلاد. وخلال الأسابيع الأخيرة، أعطى الملك إشارات يمكن اعتبارها خطوة نحو مرحلة جديدة من حكمه، مغايرة للعشر سنوات الماضية. وكأن الملك يمر من سرعة إلى أخرى أكثر استجابة لمطالب الشعب وأكثر تفاعلا مع الأصوات الحرة التي تريد للمغرب أن يتقدم ويقطع مع سنوات الإفلات من العقاب وسياسة «دعه يسير دعه يسرق». ولعل الذين تابعوا مسلسل الإضراب في شركة الخطوط الجوية الملكية، لاحظوا كيف أن إدارة الشركة، وخصوصا مديرها «طيح كواريه»، وعوض أن يستمر في الحديث عن إضراب الربابنة الذين لم «يصوروا» من ورائه شيئا، أصبح بقدرة قادر يتحدث عن قبول مطالب الربابنة واستعداده التام لفتح صفحة جديدة من الحوار معهم من أجل إنهاء المشكل من أصله. هل هناك مغربي واحد يستطيع أن يتصور أن عباس الفاسي أو وزيره في النقل كريم غلاب هما أو أحدهما من ضغط على إدريس بنهيمة لكي يجلس رغم أنفه إلى طاولة الحوار مع الربابنة؟ طبعا لا. والوحيد الذي يمكن أن يجبر بنهيمة على «تهباط كواريه» وحل المشكل مع الربابنة لتجنيب دفع الشركة نحو الإفلاس هو الملك. فالوزير الأول عباس الفاسي لا يملك الشجاعة السياسية لمواجهة بنهيمة وإيقاف النزيف الذي تسبب فيه لخزينة الدولة. فقد كان عباس في عطلة هو ووزيره في النقل عندما كان آلاف المسافرين المغاربة والأجانب يتأخرون بالأيام في المطارات وليس بالساعات. فلماذا لم نشاهد أي واحد منهما يقطع عطلته لكي يدعو الأطراف المتصارعة إلى إيجاد حل يكون في مصلحة الجميع، والوطن في مقدمتهم؟ الإشارة القوية الثانية هي الخطاب الملكي الأخير الذي تحدث عن إصلاح القضاء في وقت كان الجميع ينتظر فيه خطابا حول ثورة الملك والشعب ومحمد الخامس والمنفى ومدغشقر والعودة المظفرة، مما يعني أن الثورة الحقيقية التي سيخوضها الملك والشعب، اليوم، هي ثورة إصلاح القضاء واستقلاليته. وبعد الخطاب بأسبوع، سيجد الراضي، وزير العدل، نفسه أمام قرار خطير وكبير، وهو تحريك المتابعة في حق أسماء كبيرة في القضاء والداخلية والأمن والدرك أتى على ذكر أسمائهم بارون المخدرات «اطريحة». وطبعا، لن يستطيع الراضي أن يتخذ قرار متابعة كل من يرد اسمه ضمن اعترافات البارون دون أخذ الإذن من الملك. والرسالة الملكية واضحة في هذا الشأن، ليست هناك امتيازات قضائية لأي كان، بمعنى أن كل من ثبت تورطه ضمن الشبكة سينتهي أمام القضاء، سواء كان قاضيا أو عاملا أو جنرالا أو واليا للأمن. ومن هنا، جاء اجتماع المجلس الأعلى للقضاء اليوم الجمعة واجتماع عدد من الإدارات لاستخلاص التراخيص من أجل متابعة مسؤولين في الداخلية والأمن والقضاء. القضاء محتاج، اليوم، إلى استرجاع قوته وهيبته، وهيبة القضاء وقوته لا يتم استرجاعها دون فرض القانون على الجميع بدون استثناء. فالقانون يستمد هيبته من قوته في مواجهة الجبابرة وليس في مواجهة المستضعفين والصحافيين وكل من يرفع صوته مستنكرا الظلم والاستعباد والاستبداد. الإشارة الثالثة جاءت من شفشاون التي رفض الملك فيها استلام بقعة أرضية مساحتها 15 هكتارا أراد مجلس المدينة أن يفوتها إليه بدون مقابل. ودفع الملك مقابلها 600 مليون سنيتم دخلت خزينة المجلس البلدي. وهذه الرسالة موجهة إلى الذين تعودوا على الاستفادة من أراضي الدولة مجانا أو بدون دفع أسعارها الحقيقية، وكم هم كثيرون في هذه البلاد. والهدية التي يمكن أن يقدمها المجلس البلدي في شفشاون إلى الملك هي أن يخصصوا مبلغ 600 مليون الذي دخل خزينتهم، مقابل الأرض التي باعوها للملك، لإنجاز مشروع تنموي يضمن الشغل لخمسين مواطنا على الأقل. فهذه هي الهبة التي يمكن أن يقدمها أي مجلس بلدي إلى الملك والشعب. أما التملق للملك بإهدائه أراضي الدولة فليس، في عمقه، سوى التجسيد الحي للإخلال بالاحترام الواجب للملك. وإلا كيف يمكن تفسير تقديم هبة للملك عبارة عن 15 هكتارا في الوقت الذي لم تمر سوى أيام على انتقاده في خطابه لسياسة الريع والامتيازات. فإما أن هؤلاء لا يستمعون إلى خطب الملك، وإما أنهم يستمعون إليها لكن بأذن من طين وأذن من عجين. وتبقى الإشارة الأقوى، في نظر كثيرين، هي حديث وزارة القصور والتشريفات والأوسمة عن مرض الملك لأول مرة. وهي إشارة تعطي المشروعية لمطالب الطبقة السياسية والرأي العام الرامية إلى الاطلاع على الحالة الصحية لوزيرهم الأول وجميع الذين يتحملون مسؤولية صرف المال العام. ولعل ما أثار انتباهي، شخصيا، في التفاصيل التي توردها المواقع الصحية حول الفيروس الذي أصيب به الملك، هو أن أهم وسيلة لانتقال هذا الأخير من شخص إلى آخر هو الأيادي الملوثة. إن هذا المعطى الطبي والعلمي يجب أن يكون كافيا بالنسبة إلى القيمين على البروتوكول الملكي لكي يفكروا جديا في حذف تقبيل يد الملك من تفاصيل هذا البروتوكول. وليس في الأمر أي مس بالتقاليد المرعية والطقوس المخزنية الموروثة، بل الأمر يتعلق بصحة الملك وحمايته من احتمالات العدوى بالجراثيم والفيروسات التي تنتقل عن طريق تقبيل اليد، خصوصا في هذه الأزمنة الموبوءة التي كثرت فيها الجراثيم إلى درجة أصبحت معها اقتصاديات الدول ترتجف أمام جبروتها. إن سلامة الملك وصحته أهم عند المغاربة من رؤية عشرات الوزراء والجنرالات والمسؤولين يتعاقبون على تقبيل يده في كل مناسبة. الجميع يعرف أن الملك لا يفعل ذلك حبا في تقبيل يده، وإنما حرصا على تماسك البروتوكول الموروث منذ قرون. وربما آن الأوان، خصوصا مع مخاطر انتشار جائحة «أنفلونزا الخنازير»، أن تعيد وزارة القصور والتشريفات والأوسمة النظر في هذا الطقس البروتوكولي العتيق الذي قد يعرض الملك لمخاطر انتقال العدوى بواسطة بعض الأيادي الملوثة. ويعلم الله أنها موجودة. والأكيد أننا لن نسمع في اليوم الموالي من سيحتج على هذا الإلغاء، بل سيصفق له الجميع. وصدق من قال «رب ضارة نافعة». نقول هذا لأن المغاربة لا يشعرون اليوم، بعد صدور البلاغ الذي يتحدث عن مرض ملكهم، بأن محمد السادس ليس فقط ملكا على المغاربة، وإنما ملكهم وأخاهم وواحدا من أفراد عائلتهم. ولذلك فصحته تعنينا جميعا. بالشفاء العاجل للملك ولكل مرضى المسلمين، آمين.

 

رشيد نيني

العدد 914

عودة محاكم التفتيش

أغسطس 18, 2009

لا أعرف ما هو رد وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ولا وزارة الخارجية المغربية على قرار أرباب العمل في الحقول الزراعية بالجنوب الإيطالي إجبار العمال المغاربة على الإفطار خلال شهر رمضان تحت طائلة الطرد من العمل. ومثلما لا نعرف موقف وزارتي الأوقاف والخارجية المغربيتين، فإننا أيضا لا نعرف رد فعل وزير الهجرة محمد عامر، ولا زليخة نصري المشرفة على مؤسسة محمد الخامس للمغاربة المقيمين بالخارج، ولا عمر عزيمان رئيس مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، ولا إدريس اليزمي رئيس المجلس الأعلى للمغاربة المقيمين بالخارج. كل هؤلاء الرؤساء ابتلعوا ألسنتهم فجأة ولم تصدر عنهم ولو إدانة بسيطة لهذا التضييق الفاضح على الحرية الدينية للمهاجرين المغاربة بالجنوب الإيطالي. وحتى إذا صدر احتجاج رسمي ما عن هؤلاء الرؤساء فإنه ليس هناك سفير مغربي في روما لكي يبلغ هذا الاحتجاج إلى الحكومة الإيطالية، فمنذ الخصومة الشهيرة لزوجة وزير الخارجية مع زوجة السفير بنبعد الله، ومقر إقامة السفير المغربي بروما بدون تمثيلية دبلوماسية للمغرب. حسب قانون الشغل الإيطالي الذي صادق عليه البرلمان سنة 2008، فإن رب العمل لديه الحق في فصل كل عامل يرفض الامتثال لتطبيق التدابير الوقائية أثناء مزاولته لعمله. وبما أن الصوم في هذه الفترة من السنة قد يعرض صاحبه لمخاطر صحية، فإن رب العمل من حقه أن يجبر عماله المسلمين على الإفطار، حرصا على سلامتهم. كنا سنصدق مثل هذه الادعاءات لو لم يكن أرباب العمل هؤلاء في الجنوب الإيطالي هم أنفسهم من كشفت المنظمة الدولية للعمل قبل أسبوعين عن استغلالهم لأكثر من ألف مهاجر مغربي في حقولهم الزراعية مثل العبيد؛ كنا سنصدق أن تطبيق هذا القانون الذي يجبر المستخدم على الإفطار في رمضان يدخل في باب الحرص على صحة وسلامة العمال المغاربة، لو لم نكتشف باندهاش كبير كيف أن أرباب العمل هؤلاء كانوا يدفعون لهؤلاء العمال المغاربة 15 أوروها مقابل 12 ساعة من العمل اليومي القاسي، في حين أن القانون نفسه الذي يحتوي على بند «إجبارية اتخاذ الأجير للتدابير الوقائية» هو نفسه القانون الذي ينص على أن أجرة هؤلاء المستخدمين لا يجب أن تنزل عن 50 أوروها في اليوم. وإذا كان أرباب العمل هؤلاء يحرصون على السلامة الجسدية والصحية لمستخدميهم المغاربة، فليشرحوا لنا إذن لماذا يستغلون كل تلك المئات من العمال المغاربة ويجبرونهم على العيش في أماكن بدون ماء ولا كهرباء وتفتقر إلى الشروط الأساسية للنظافة. ومن غرائب الصدف أن يصدر هذا القرار الذي يستهدف شعيرة مهمة من الشعائر الإسلامية للمهاجرين المغاربة المسلمين، وهي صيام رمضان، بتزامن مع قرار مفاجئ اتخذته وزيرة التعليم الإيطالية، «ماريا ستيلا جيلميني»، حول تأثير معدل مادة التربية الدينية في قبول الطلاب بالجامعات، فقد تجندت الوزيرة للدفاع عن أهمية مادة التربية الدينية بالنسبة إلى الطلبة المقبلين على دخول الجامعات، ردا على قرار المحكمة الإدارية التي أصدرت قرارا يعتبر نقطة مادة التربية الدينية غير حاسمة في المعدلات المطلوبة لدخول الجامعات. وبمجرد ما صدر قرار المحكمة الإدارية بروما حول هذا الموضوع، ثارت ثائرة الفاتيكان وجرائده وقنواته وجميع المدافعين عن الطابع الكاثوليكي للمجتمع الإيطالي، وعلى رأسهم وزيرة التعليم التي قالت إن «مادة الدين تعتبر جزءا من الإرث التاريخي والقيم والتقاليد الإيطالية، ولذلك تستحق هذه المادة كل الاعتراف والاحترام اللازمين». مادة الدين المسيحي تستحق الاحترام حسب وزيرة التعليم الإيطالية، لكن شعائر الدين الإسلامي لا تستحق الاحترام حسب أرباب الحقول بالجنوب الإيطالي. وهذا الازدراء الفاضح لديانة المسلمين أصبح يتستر، هذه الأيام، في الغرب المسيحي خلف أشكال مختلفة من الأقنعة. ولكي تظهر حملة المزارعين الجنوب إيطاليين على الإسلام بمظهر إنساني، فإنهم يغلفونها بالحرص على السلامة الجسدية والصحية لمستخدميهم، مع أن العامل الرئيسي الذي يجب أن يحتكم إليه رب العمل مع مستخدمه هو المردودية. وإذا كانت مردودية العامل ستنقص بسبب الصيام، فإن من حق رب العمل أن يتخلى عن عامله الصائم ويبحث عن عامل يأكل ويشرب طوال أشهر السنة. أما أن يجبر أربابُ العمل مستخدَميهم المسلمين على إفطار رمضان خلال العمل تحت طائلة الطرد، حتى ولو كانوا قادرين على منافسة المفطرين في أدائهم المهني، فهذا يعيد إلى الأذهان محاكم التفتيش التي تعرض لها المسلمون على يد الكنيسة المسيحية بإسبانيا قبل طردهم النهائي من الأندلس، خصوصا عندما كانوا يجبرون المشكوك في إسلامهم على أكل شطائر من لحم الخنزير للتأكد من تخليهم عن عقيدتهم. الحرب على شعائر المسلمين في الغرب المسيحي تتخذ، اليوم، أشكالا مختلفة. وأحيانا، تظهر هذه الحرب على شكل تدابير وقائية، الغايةُ منها المحافظةُ على صحة وسلامة المسلمين. وعندما طلبت المنظمة العالمية للصحة من العربية السعودية إلغاء موسم الحج لهذه لسنة خوفا من انتشارٍ وبائيٍّ لـ«أنفلونزا الخنازير» (نعم الخنازير مرة أخرى) بسبب هذا التجمع البشري الكبير لمسلمي العالم في مكة المكرمة، لم يطرح أحد سؤالا بسيطا على نفسه وهو «لماذا كل هذا الحرص على تخويف المسلمين من الذهاب إلى الحج، مع أن ما يجتمع أسبوعيا في ملاعب كرة القدم في أوربا وحدها يوازي عدد الحجاج الذين يجتمعون مرة في السنة بمكة المكرمة؟». والمتأمل لحال المسلمين والإسلام في الغرب المسيحي، يلاحظ أن الاثنين يعيشان أسوأ فتراتهما هذه الأيام؛ فالحجاب يحارب باستصدار القوانين التي تمنعه وتقنن شكله. وفي فرنسا، أقام ساركوزي الحكومة ولم يقعدها وأسس لجنة خاصة بسبب خمار تضعه حوالي 700 مسلمة في فرنسا. وعندما دققوا جيدا في هويات صاحباته وجدوا أن تسعين في المائة منهن فرنسيات اعتنقن الإسلام مؤخرا. وهذا ذكرني بواقعة حدثت في إحدى عربات الميترو بباريس عندما اشمأزت مهاجرة إفريقية من منظر إحدى النساء المنقبات وحاولت أن تظهر أمام الركاب الفرنسيين أكثر فرنسية منهم وخاطبت المنقبة قائلة: – لماذا لا تعودين إلى بلدك وتعفينا من رؤية لباسك المخيف هذا؟ فرفعت المرأة المنقبة النقاب عن وجهها فظهرت عيناها الخضراوان وبشرتها البيضاء، وقالت للإفريقية السوداء: – أنا في بلدي، وإذا كان على أحد ما أن يرحل إذا لم يعد يشعر بالراحة هنا فهو أنت… ففهمت أختنا الإفريقية أن صاحبة النقاب مواطنة فرنسية أبا عن جد، فغيرت مكانها بعد أن غرقت في خجلها. وإذا كان الحجاب في الغرب المسيحي يعيش إحدى أحلك فتراته، فإن شعيرة الزكاة قد تم ربطها، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بتمويل الإرهاب، وبالتالي أصبح تبرع المسلمين بأموال الزكاة في أوربا وأمريكا سببا كافيا لاعتقالهم واتهامهم بتمويل أنشطة مشبوهة. ماذا بقي بعد الحج والصوم والزكاة من أركان الإسلام الخمسة التي لم يقننها الغرب المسيحي بحواجز واعتراضات، سوى الشهادتين والصلاة. وربما نسمع غدا عن بلد أوربي يعترض على صلاة المهاجرين المسلمين ويجبرهم على تقليص صلوات اليوم من خمسة إلى اثنتين بدعوى الحرص على وقت أرباب العمل من الضياع. لكي نفهم دواعي هذه الحرب وخفاياها يجب أن نرجع خطوة إلى الخلف، إلى 4 مارس من سنة 2004، وبالضبط على الساعة التاسعة والنصف صباحا في قاعة من قاعات الكونغرس الأمريكي، حيث كانت قناتا «الجزيرة» و«CNN» تنقلان على الهواء لقاء أمنيا عاليا حضره دونالد رامسفيلد، سكرتير الدولة في الدفاع، وكونداليسا رايس، كاتبة الدولة في الخارجية، والجنرال جون أبو زيد، قائد المنطقة الوسطى في العراق المحتل. ولكي ينجح الجنرال جون أبو زيد في إقناع الإدارة المحافظة للبيت الأبيض بالاستمرار في دعم الحرب في العراق وأفغانستان، أخرج خريطة وعلقها أمام أعضاء مجلس الشيوخ وأشار بعصاه الرفيعة إلى مناطق ملونة بالأخضر وقال لهم إن هذه المناطق تمثل الخطر الإسلامي الآن، وهي ليست شيئا آخر غير خريطة البلدان المسلمة، من موريتانيا مرورا بالمغرب ووصولا إلى أندونيسيا وماليزيا. وقبل أن يبتلع أعضاء المجلس ريقهم حذرهم الجنرال أبو زيد من أن تباطؤهم في الموافقة على دعم جنودهم في مناطق «جهادهم» سيؤدي إلى ازدياد البقعة الخضراء، يقصد العالم الإسلامي، اتساعا. وللمزيد من التخويف، أخرج خارطة ثانية يجتاح فيها اللون الأخضر نصف الكرة الأرضية، وقال لهم إن هذا هو مصير العالم في أفق 2050. وأضاف الجنرال جون أبو زيد، اللبناني المسيحي، أنه إذا لم يتم القيام بشيء لوقف هذا الزحف الأخضر فإن ما ينتظر العالم هو التالي.. وأخرج خارطة ثالثة يظهر فيها كوكب الأرض تكسوه الخضرة بشكل كامل، وقال لهم: «هذا هو العالم المنتظر سنة 2100 إذا لم نقم بشيء للحيلولة دون ذلك». إذا لم يكن هذا التسجيل كافيا لإقناع المسلمين بأن ما ينتظرهم ليس سوى في بدايته، فلست أدري أي شيء قادر على جعلهم يقتنعون بأن المستهدف ليس هو «الإرهاب الإسلامي» كما يسمونه، وإنما الإسلام وأركانه الخمسة. أفلا تنظرون؟

 

رشيد نيني

العدد 904

قلة الدين

فبراير 22, 2009

ربما هذه أول مرة يستطيع فيها المغرب أن يشعر بالفخر وهو يطالع مكانته بين الدول في دراسة يقدمها معهد دولي. فها هو معهد «كالوب» الأمريكي يصنف المغرب في المرتبة الثالثة لأكثر الدول تدينا عبر العالم. وحسب المعهد فحوالي 98 في المائة من المغاربة متدينون ويعتبرون الدين شيئا أساسيا في حياتهم اليومية. لكن السؤال المحير الذي يطرحه المتأمل لهذه المرتبة الهامة التي يحتلها الدين في حياة المغاربة، هو ما مدى تأثير الدين في معاملات المغاربة اليومية. فالحديث النبوي الشريف يقول «الدين المعاملة»، ونحن المغاربة رغم ارتباطنا الشديد بالدين، يشوب معاملاتنا نقص مريع في التربية والتحضر. ويكفي أن يأخذ الواحد منا سيارته وينزل إلى الشارع لكي يتأكد من أن خصالا من قبيل الإيثار والصبر والاحترام لا وجود لها في تعاملاتنا اليومية. مع العلم بأن هذه الخصال هي من صميم ديننا الإسلامي الحنيف. إن استعمال الطريق ليوم واحد في المغرب يكشف لك بالملموس كل الأمراض الاجتماعية التي نعاني منها نحن المغاربة. القلق، التوتر، انعدام الإحساس بالآخر، الأنانية المفرطة، الرغبة في الانتقام من الآخر لمجرد أنه يملك سيارة أحسن منا، أو لمجرد أنه تجاوزنا في السرعة. أشياء بسيطة يرتكبها المغربي في الطريق تفضح عدم نضجه واستعداده للمخاطرة بحياته وحياة الآخرين استجابة لعقد نفسية مركبة. وشخصيا أستغرب كيف أننا نحن المغاربة ثالث شعوب العالم تدينا، ومع ذلك نحتل رتبا مخجلة في إحصائيات البنك الدولي ومنظمة ترانسبرانسي كلما تعلق الأمر بالرشوة. مع أن ديننا يحرم علينا الرشوة ويلعن الراشي والمرتشي. وحسب آخر الإحصائيات فالرشوة في تقدم ملموس، وهي تنخر سنويا قطاعات كانت إلى حدود الأمس القريب محصنة منها. إلى درجة أنها أصبحت تهدد اقتصاد المغرب بنسبها المتزايدة التي تخيف المستثمرين الأجانب. وبسبب الرشوة أصبح سجن عكاشة «قشلة» حقيقية يجتمع فيها البوليس مع القوات المساعدة مع البحرية الملكية في قضايا المخدرات. وبسبها يقف اليوم رؤساء جماعات وممثلون للسكان وقياد أمام القضاء بعد تورطهم في البناء «الرشوائي». الإسلام يحض على العمل بنص الحديث الشريف الذي يقول «العمل عبادة»، ومع ذلك لدينا واحد من أحد أكبر معدلات البطالة في العالم. الحديث النبوي يقول «من غشنا فليس منا»، ومع ذلك تحولنا إلى شعب من الغشاشين، نلبس ملابس مزورة ونستمع ونشاهد موسيقى وأفلاما مقرصنة، ونقتات على مواد غذائية مهربة. حتى برامجنا التعليمية والإعلامية العمومية ومشاريعنا السياسية وقوانيننا منقولة حرفيا عن الخارج. وفي الأخير يأتي المندوب السامي للتخطيط لكي يقول لنا بأن المنتوج المحلي لا يستطيع منافسة المنتوج الأجنبي، ولذلك فعلينا دعم هذا المنتوج داخليا. وينسى أن السبب في عدم قدرة المنتوج المحلي على منافسة نظيره الأجنبي، هو أن منتوجنا مغشوش. ويمكن أن نكذب على الزبون مرة واحدة فقط، لأنه بمجرد ما سيكتشف غشنا «سيقلب» علينا إلى الأبد. وهذا للأسف ما يحدث في القطاع السياحي، خصوصا في المحلات التي يأخذون إليها الوفود السياحية لاقتناء التذكارات المغربية. فهذا يقنع السياح بأنه يملك سيف سيدنا علي، والآخر يقنعهم بأنه يملك «رزة» سيدنا موسى، وثالث يقنعهم بأنه يملك خاتم سيدنا سليمان بأسعار تنافسية. فهؤلاء السياح الأجانب في نظر كثيرين «غير نية مساكن» ويجوز «تجعيبهم» كما يقولون في مراكش، ولذلك لا يشعر هؤلاء التجار بالحرج من الكذب عليهم وبيعهم الأوهام باسم المغرب. وما ينطبق على هؤلاء التجار ينطبق على بعض أصحاب الفنادق والمطاعم. إلى درجة أن السياح أصبحوا يفضلون النزول عند أبناء عمومتهم من النصارى الذين يستثمرون في المغرب أموالهم في بيوت الضيافة. ولو كان المغاربة يثقون في إخوانهم المغاربة المتدينين بنسبة 98 في المائة، لما كانوا يفضلون أخذ أبنائهم إلى مدارس النصارى وعيادات الأطباء الأجانب. وكل من تسأله عن السبب سيقول لك أن هؤلاء النصارى «معقولين» ولا يعرفون الكذب. وليس مثل بعض أطبائنا الذين يحتالون على مرضاهم باختراع الأمراض من أجل استنزاف جيوبهم. أحد الأصدقاء قال لي متحسرا أن صاحب عيادة مشهورة في الرباط ذهب إليه بزوجته لتلد فاشترط عليه العملية القيصرية، مع أن زوجته تستطيع أن تلد بشكل طبيعي. وعندما بدأ يتفاوض معه على الثمن، اقترح عليه الطبيب أن يضيف إلى العملية القيصرية عملية «عقد القرون»، وأضاف الطبيب «غادي نحلها غادي نحلها، اللهم نضربو عصفورين بحجر». «واش دابا هادا طبيب ولا كزار» تساءل الصديق متحسرا. وإذا قالوا أن المغرب هو بلد المتناقضات فهم غير مخطئين تماما. فالمغاربة ثالث شعوب العالم تدينا، مع أنهم يشربون أربعين مليون لتر من «الروج» سنويا. وبسبب ارتفاع الإقبال على الكحول عرف استيرادها سنة 2008 ارتفاعا وصل إلى أربعة في المائة مقارنة بالسنة التي قبلها. وبسبب هذا الارتفاع في «الشراب» زادت نسبة إدمان المغاربة للكحول وزادت نسبة حوادث السير القاتلة الناتجة عن السكر. وطبعا زادت عائدات مجموعة الحاج زنيبر في البنوك، وهي المجموعة التي تنتج أكثر من 85 في المائة من حاجيات سوق «الشاربان» بالمغرب. ولمن لا يعرف الحاج زنيبر جيدا فهو رجل متدين أيضا، ويقضي وقته بين معاصر خموره وغار يأوي إليه في خلواته لكي يتدبر ويتأمل أصل الوجود والكون. فيما تتكفل زوجته بمدرسة للأيتام تنفق عليها من عائدات الخمور التي يبيعها زوجها. الدين يحض على الاستقامة والكرامة والعيش بعرق الجبين. وعندنا في المغرب أصبحت الاستقامة عملة نادرة والكرامة جريمة قد تؤدي بصاحبها إلى السجن والعيش بعرق الجبين حماقة يستحق صاحبها الشفقة والسخرية. نحن ثالث شعوب العالم تدينا ومع ذلك تخجل نساؤنا من ذكر جنسيتهن كلما غادرن المغرب نحو بلد آخر. فبسب كل تلك الجالية المغربية المقيمة في الكازينوهات والخمارات ودور الدعارة عبر العالم، أصبحت المرأة المغربية متهمة في شرفها بغض النظر عن مستواها الفكري أو المهني. بسبب هذه «الشوهة العالمية» أصبحت بعض الدول، وآخرها موريتانيا، تشترط على طالبات التأشيرة المغربيات أن يكن متزوجات. بقي فقط أن يشترط بعضهم شهادة العزوبة. وليس مستغربا أن تستنتج مصالح الأمن في الدار البيضاء أن نسبة كبيرة من الشقق المفروشة المعدة للدعارة بأرقى الأحياء بالعاصمة الاقتصادية هي في ملكية نساء يحترفن الدعارة بالخليج العربي. وبسبب «اللهطة» على المال، أصبحت بعض الأسر تقبل أن تعيش على عرق بناتها بدون إحساس الذنب. ويكفي أن يذهب الواحد إلى مطار محمد الخامس ويتفرج على منظر تلك الأسر وهي واقفة تنتظر بافتخار وصول سفيراتها فوق العادة بحقائبهن الدبلوماسية المليئة بالهدايا والدنانير. لقد ماتت الكرامة في نفوس الكثيرين بيننا للأسف، وأصبح الإله الذي يعبده هؤلاء من دون الله هو الدينار والدولار والأورو وباقي العملات الصعبة في هذا الزمن المغربي الرخيص. نحن ثالث الشعوب الأكثر تدينا في العالم، ومع ذلك أصبح يقصد بلدنا الباحثون عن السياحة الجنسية، ومغتصبو الأطفال والشواذ والمنحرفون جنسيا من كل جهات العالم. فالقانون متساهل عندنا مع هؤلاء المجرمين حرصا على سمعتنا السياحية، حتى ولو ذهبت سمعتنا الأخلاقية إلى الجحيم. نحن ثالث شعوب العالم تدينا وأول الشعوب المصدرة للحشيش في العالم. وحسب إحصائيات علب «النيبرو» التي تبيعها «ألطاديس» فالمغاربة يدخنون سنويا أكثر من مليار «جوان». إن السبب الحقيقي في انتشار كل هذه الأمراض والظواهر المشينة في بلدنا، هو ضعف الوازع الديني وانتشار النفاق والمظاهر الخارجية للتدين الزائف. فالدين الإسلامي يحث على القراءة والعمل والإيثار وعدم الغش وتجنب أكل أموال الناس بالباطل والعدل وحب الأوطان. ونحن أصبحنا أبطال العالم في هجر الوطن ولو انتهى بنا المطاف طعاما في بطون الحيتان. مأساتنا الحقيقية هي «قلة الدين». وليس بمظاهر التدين الزائفة والنفاق المستشري في تعاملاتنا سنتقدم. الدين الحقيقي، فضلا عن الشعائر المفروضة، هو معاملات بالأساس. وما دامت معاملاتنا يشوبها كل هذا الغش وهذا النفاق وهذا الكذب، فإننا سنبقى في مؤخرة الترتيب العالمي، حتى ولو وضعونا على رأس الدول الأكثر تدينا في العالم.

رشيد نيني

العدد 753

اجتهاد الفقهاء في زنا النساء !

فبراير 2, 2009

     بتفكه تناولت “دايلي اكسبريس” خبرا يقول إن شباب العربية السعودية أصبحوا أكثر فأكثر يضعون ملصفات على سياراتهم ، تعبيرعن  موقف ما ، نقدا او استنكارا ، ومن بين أهم الملصقات التي تعرف رواجا كبيرا ، ملصق عليه صورة امرأة خلف مقود السيارة، وإشارة المنع الحمراء تتقاطع تعبيرا عن الرفض القاطع لقيادة المرأة للسيارة .. !

   المجتمع السعودي العتيق، يقف بصلابة في وجه قيادة المرأة للسيارة! لكن كيف نفهم أو نتفهم ذلك الموقف من طرف شباب ، هم أحيانا في العشرين، ومع ذلك يظهرون مغالاة يحسدهم عليها حراس المعابد المتكلسة. لسنا بحاجة إلى القول إن النظام التربوي المدرسي والعائلي، كما البيئة المتحجرة ، والنظام العشائري، كل هذا يعيد إنتاج البنيات النمطية نفسها، بالخطاطات القاهرة نفسها ..

   لماذا تمنع المرأة من هذا الحق البريئ ، حق قيادة سيارتها؟ نعم قيادة السيارة تعني الحد الأدنى من المبادرة ، وهذا قلب المعايير، بمعنى أن المرأة تتحول من “مساقة” إلى سائقة ، من “مقادة” إلى قائدة.. أوليس في هذا إجهاز على تراتبية أو مخيال ؟ او ليس في هذا زلزلة للخيمة العشائرية، تلك التي بحق لم يعد لها من أثر، في ظل ناطحات السحاب، ولكنها المضروبة بألف وتد في أعماق الروح وتلافيف الوجدان …؟

    السياقة النسائية إذا ليست  سياقة بريئة! كلا ، انها انطلاق ، انها تجاوز، انها اختراق الصفوف والتقدم أماما.. وهنا بيت القصيد ، هذا “الاختراق” هو الطابو الأكبر. إنه حق الرجل بامتياز . ماذا يتبقى من رجولة الرجل ، إذ سلبته الانوثة تلك الصولة الأروع ، ووظيفة ذلك الصولجان المرصع ؟!!

   لعل القراء الكرام ، سوف يعتبرونني أبالغ، نقرا على ايقاع الاستيهامات الفحولية، لكن ماذا لو ذلكرته بما كتبه مراسل “هيرالد تريبون”؟ والذي ذهب يتساءل عن السر خلف ذلك المنع الأخرق، فجاءنا حقا بمجموعة شهادات، اختلط نابلها بحابلها، ولكنها جميعا بالغة الدلالة، لو عولجت من منظور تحليلي ثقافي عيادي نفساني. لنتوقف مثلا عند شهادة هذا الشاب، الذي يبدو مطلعا على ما يجري في العالم، ولكنه يناصر المنع مبررا ذلك بالقول:”تصور أن العديد من النساء في أوربا وأمريكا يمارسن قيادة السيارة بلاأحذيتهن ، لعنة الله عليهن “!

   العديد من النساء يقدن حقا سياراتهن بدون أحذية، لأن الكعب العالي لا يتفق والضغط على الدواسة.. نعم لكن ما علاقة هذا بذاك يتساءل الصحافي، وقد ضاع سكينه في ريش هذه الأدغال المعتمة؟

  لكن أليس الجواب يكمن في هذه الحقيقة المرة، وهي أن المرأة بقدم حافية محتكة صعودا وهبوطا ذهابا وإيابا مع الدواسة مهددة بيقظة الأحاسيس الغافية؟ أو ليست هذه الحركات الارتجاجية، تفاعلا مع محرك يهدر شهيقا وزفيرا، تعني علاقة لا شرعية مع الغريم التقني، الذي يغزو كل الفضاءات مهددا البيئة العشائرية بالتفسخ والانحلال؟ إن التقنية يجب أن تكون في خدمة الرجل، وتحت رقابته، حتى وإن كان ذلك وهما ، ولكن أن تصبح هذه التقنية في خدمة المرأة فإن ذلك بدعة وضلالة؟

  في هذا الإطار، فإن الضغط على الدواسة بقدم الأنوثة الحافية، هو عمل لا شرعي، بل يمكن القول إن مواصفات الزنا تنطبق عليه، وهذا يطرح إشكالات تستدعي اجتهاد العلماء الوهابيين، ذلك أن تطبيق “الحد” هنا يعني الجلد في الساحة العامة ! لكن كيف ذلك في غياب الزاني الذي هو “المحرك” اللعين أي محرك السيارة؟ ولأنه من العبث أن يجلد ، فهل يعاقب بيعا في  “لافيراي” ؟ ولكن من يضمن لنا أنه لن يقتنى من امرأة إبليسية أخرى، فتمارس معه الفعل الحرام بالقدم الحافية نفسها، والضغط على الدواسة، والدبدبات الحارة في دعامتي الطوطم الحريمي المقدس…!

  يتساءل العديد من الصحافيين عن السر في أن المرأة السعودية تملك حق قيادة البعير والحمار والجمل، ولا تملك حق قيادة السيارة. وأعتقد اننا اكتشفنا من خلال ما قلنا أنه ليس من شيء يجمع الحيوان الأبكم الأصم ، وهذه التقنية ، التي حقا لا تعرب ولا تعجم ، لكنها تغمغم وتجمجم وتؤقلم. وإذا، فإن المسألة أخطر من الجمل وما حمل، وأخطر من شعاب مكة واهلها المحاصرين خنقا بين أسوار عكة..

جريدة الصباح – العدد2740

أحمد بن بنور

أيها الفلسطينيون احذروا هذه الدماء

يناير 12, 2009

على عادة الجيوش المتوحشة التي غزت أرض فلسطين في القرون السالفة، لجأت إسرائيل إلى الطريقة نفسها التي مارستها هذه الجيوش لإخافة المدنيين وترويعهم. هكذا قام جيش الاحتلال بشواء أجساد الأطفال بنيران قذائفه وتركها عرضة لكاميرات الصحافة الدولية، حتى تنقلها لسكان المدن والقرى الفلسطينية المجاورة. وهي الطريقة الجبانة نفسها التي قام بها المغول خلال اجتياحهم لفلسطين عندما كانوا يسلقون الأطفال في قدور المياه المغلية ويأكلونهم ويعلقون جثث الرجال أمام مداخل المدن لإخافة السكان وإجبارهم على الاستسلام. 
الصور نفسها يتم تداولها اليوم في الصحف والقنوات الفضائية. وجوه الأطفال المحروقة وأطرافهم المشوية بنيران القصف. وهي الصور التي سبقت الاجتياح البري الإسرائيلي لغزة. فالهدف من وراء تلك المشاهد كان هو إفزاع سكان غزة وإجبارهم على الضغط على حركة حماس من أجل إحراجها ودفعها إلى الاستسلام. 
الغريب في الأمر أن من يتولى أمر الضغط إعلاميا على حماس من أجل الاستسلام ليسوا سكان غزة المحاصرين والذين يتم تمزيق وشي أطفالهم، بل أطراف أخرى عربية تستهزئ من صواريخ المقاومة وتسميها صواريخ كرتونية. وهو موقف يتماهى بشكل غريب مع موقف الحكومة الإسرائيلية التي تسمي ما تقوم به في غزة من مجازر دفاعا شرعيا عن النفس. 
وربما لهذا السبب كانت وزيرة الخارجية الإسرائيلية «تزيبي ليفني» غاضبة وهي تعاتب محاورها في قناة الجزيرة بسبب تركيز القناة القطرية في نشرات أخبارها على صور الأطفال الذين مزق الطيران الإسرائيلي أشلاءهم. فالآنسة «تزيبي» منزعجة من صور الأطفال المقتولين غدرا في غرف نومهم من طرف طيران جيشها والتي تمر في نشرات الأخبار، لكنها غير منزعجة تماما من كون دماء هؤلاء الأطفال عالقة بيديها. يديها اللتين تصافح بهما الزعماء العرب بدون إحساس بالذنب. 
هكذا يطالب الإسرائيليون علانية الإعلام العربي بالتواطؤ معهم على جريمة قتل الأطفال، مثلما تواطأت معهم الأنظمة العربية بصمتها وتخاذلها وعجزها القاتل. فالجريمة في نظر «تزيبي» ليست هي قتل الأطفال بل تصوير أشلاء هؤلاء الأطفال. 
مثلما أن الجريمة ليست هي قصف بيت القيادي الفلسطيني نزار ريان وقتله مع أطفاله وزوجاته الأربع، بل الجريمة هي كون هذا الفلسطيني متزوج من أربع نساء. فقد غطى خبر الجمع بين أربع نساء في بيت واحد عند بعض القنوات الغربية على خبر قتل هؤلاء النساء الأربع مع أطفالهن ومعيلهن. 
ولعل أحد وجوه النفاق الإسرائيلي المفضوح هو أنهم يهاجمون كل من يتهمهم بقتل الأطفال والنساء، ويطالبون بكتم صوت كل من يتحدث عن المحرقة الفلسطينية، بينما هم وضعوا قانونا صارما يحاكم بموجبه كل من يجرؤ على مجرد إنكار وجود المحرقة اليهودية. واليوم في فرنسا اندلعت عاصفة إعلامية في وجه الكوميدي الساخر «ديودوني» لأنه سلم «روبير فوريسون» جائزة «الشخص المزعج غير المرغوب في رفقته» في قاعة «زينيت» بباريس وطلب من 5000 متفرج التصفيق بهذه المناسبة. ومعروف أن «روبير فوريسون» واحد من أكبر الناكرين للمحرقة اليهودية وطرد من عمله بالجامعة بسبب هذه التهمة. 
وإذا كان الإعلام العربي منشغلا هذه الأيام بإظهار اللحوم المشوية للأطفال والنساء والرجال في غزة، فالإعلام الأمريكي مشغول أيضا بإبراز لحوم قادته السياسيين. وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي المنتخب حسين باراك أوباما. فالسي الحسين يقضي وقتا ممتعا على شاطئ هاواي بعيدا عن صخب الصواريخ الإسرائيلية ورائحة الدم الفلسطيني، حيث تلتقط الصحافة الأمريكية صورا لصدره العاري الأملط و«المبندر» الذي تلهبه أشعة الشمس. وبانتظار أن يلبس السي الحسين قميصه وربطة عنقه ويغادر مكانه تحت شمس هاواي ويلتحق بمكتبه في مقر البيت الأبيض، ستكون ربما غزة زالت من الوجود. 
وخلال هذا الوقت ماذا يصنع الزعماء العرب. بالأمس رأينا عددا من الأمراء الخليجيين يتبرعون بدمائهم لصالح ضحايا المحرقة بغزة. وقلت في نفسي أن الفلسطينيين إذا كان عليهم الحذر من شيء ما في هذه الظروف العصيبة فمن هذه الدماء بالضبط. لأن فيها بالإضافة إلى الكريات البيضاء والحمراء كريات أخرى من المهانة والخذلان والذل. ولعل أخطر شيء على دماء الفلسطينيين الفائرة بالعزة والكرامة والنخوة ليس الصواريخ الإسرائيلية وإنما هذه الدماء العربية بالضبط. فالخوف كل الخوف أن تختلط دماؤهم المشبعة بالعزة والكرامة بدماء عربية إسلامية مصابة بلوثة الجبن والنفاق والخبث. 
ولعل ما يحتاجه الزعماء والقادة العرب في الوقت الراهن هو أن يبعثوا في طلب الدم الفلسطيني المنتشر على الأرصفة وأن يتبرعوا به على أنفسهم ويحقنوا به أذرعهم، فربما تنفع كريات الكرامة والعزة التي يفيض بها الدم الفلسطيني في إيقاظ همة هؤلاء الزعماء الخاملة وضمير هؤلاء القادة العرب الذي يغط في النوم الثقيل. 
الزعماء العرب الذين لديهم أقوى سلاح في العالم هو سلاح النفط، لم يجدوا غير بضعة لترات من دمائهم الخاثرة لكي يتضامنوا بها مع إخوانهم المحاصرين في غزة. يا للعار. 
وكم كان منظر حنيبعل نجل الزعيم الليبي مثيرا للشفقة وهو يتوعد مصر في نشرة أخبار الجزيرة، واصفا موقف الزعماء العرب بالمتخاذل لأن طائرة المساعدات الليبية لم تستطع دخول غزة. فحنيبعل يعرف قبل غيره أن البلاد التي يقودها والده منذ ثماني وثلاثين سنة تملك سلاح النفط، والذي من خلاله يمكنها الضغط على الحكومات الأوربية لإيقاف همجية إسرائيل. لكن القذافي يفضل أن يستعمل سلاح النفط ضد سويسرا لأنها اعتقلت ابنه حنيبعل وزوجته بعد تورطهما في تعذيب خادمهما المغربي وخادمتهما التونسية. 
واليوم تطالب ليبيا سويسرا بتقديم اعتذار رسمي لها بسبب تجرؤها على اعتقال ابن الرئيس وزوجته، مقابل إطلاق سراح مواطنين سويسريين وعدم توقيف إمدادات النفط الليبي لسويسرا. 
هكذا يستعملون نفطهم هؤلاء العرب. يضغطون به ويهددون بتوقيفه عندما يخرق أبناؤهم المدللون القانون في الدول المتحضرة. أما عندما تخرق إسرائيل كل القوانين والشرائع الدولية وتمزق أشلاء مئات الأطفال في فلسطين فإن عقيرة هؤلاء القادة تعلو بالصراخ والتنديد ضد بعضهم البعض مثل ديوك رومية منفوشة الريش. 
أما الرئيس المصري حسني مبارك صاحب نظرية «زبط النفس»، فكل ما وجده لمساعدة إخوانه في غزة في هذه الظروف العصيبة هو اتهامه لحركة حماس بمحاولة الاستحواذ على معبر رفح. وكأن سعادة الرئيس نسي أن إسرائيل تستحوذ على وطن بكامله اسمه فلسطين، بمعابره وسهوله وبحره وجباله. 
ونسي الرئيس المحترم أنه إذا كان هناك من أحد يجب أن يتجنب الحديث عن كلمة «الاستحواذ» فهو نفسه شخصيا. لأنه يستحوذ على السلطة منذ عشرات السنين، متكئا على قانون الطوارئ. كما أنه يستعد لكي يترك لابنه فرصته هو الآخر لكي يستحوذ على السلطة من بعده. وبعد هذا كله يتحدث عن رغبة حركة حماس في الاستحواذ على مجرد ممر. 
وينسى الرئيس المصري والرئيس الليبي وغيرهما من الرؤساء العرب أن حركة حماس وزعميها هنية أكثر ديمقراطية منهم جميعا، لأنها كحركة مقاومة سياسية وميدانية أتت إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع في انتخابات نزيهة شهد العالم بأسره على شفافيتها، وباركها حتى بعض الزعماء العرب الذين غيروا موقفهم منها بمجرد تصنيفها من طرف البيت الأبيض ضمن خانة المنظمات الإرهابية. 
يمكن أن نتفق أو نختلف مع حركة حماس وطريقة إدارتها للمقاومة ضد العدو الإسرائيلي. لكن هذا لا يسمح لمعارضيها بأن يقبلوا ويباركوا اغتيال قادتها وأطفالهم ونسائهم بدم بارد. فحركة حماس وزعيمها جاءا إلى السلطة برغبة من الشعب عبر انتخابات ديمقراطية، وليست مثل انتخابات بعض هؤلاء الزعماء العرب الذين لازالوا يرشحون فيها أنفسهم بمفردهم بعد أن يعتقلوا منافسيهم ثم ينجحون فيها بتسعة وتسعين فاصلة تسعة وتسعين بالمائة من الأصوات. 
على الأقل إذا كان هؤلاء الزعماء غير قادرين على لجم همجية العدو الإسرائيلي في غزة، فليعملوا فقط على لجم ألسنتهم وتصريحاتهم الهوجاء التي تسيء إليهم أمام شعوبهم وأمام التاريخ وأمام الله. 
كما أنه من الأفضل لهم وللقضية الفلسطينية الاحتفاظ بدمائهم في شرايينهم، فمثلما أن الدم لا يصير ماء، فإن الماء أيضا لا يصير دما.

رشيد نيني

كفى من «الحكرة»

ديسمبر 3, 2008

هناك مصطلحات لها قوة لا توصف، كلمات بالدارجة المغربية لها مفهوم مرتبط بتكوين المواطن المغربي وثقافته وأسلوبه في التفكير وفي العيش وفي التذمر أيضا.. و»الحكرة» من بين هذه المفردات التي يرددها المغاربة منذ عهد بعيد، ولها وقع قوي في الروح والنفس ومعنى عميق مثقل، وقد تلخص بشكل كبير عقلية المغاربة في التعامل مع بعضهم البعض، وإذ أعود لأحلل قليلا هذا المصطلح المتوارث، أجدنا الآن الأحوج إلى فهم هذا السلوك المتجذر في ثقافة المغاربة كي نفتح حوارا ونقاشا جريئا حول علاقة المغربي بأخيه، لأن «الحكرة» هي أهم معالم هذه العلاقة والتي ترتبط أساسا بمستوى العباد الاجتماعي والسلطوي وبما يملكون من منازل وجواهر وسيارات وخدم.. لقد تحول الناس إلى أرقام، وبالتالي فكل امرئ يساوي ما يملك.. وهنا تبدأ «الحكرة»..
المغربي يهين أخاه لأسباب عدة، يتهكم عليه ويكلمه بجفاء وقد يشتمه أو يضربه إن استدعى الأمر ذلك، إن أحس أنه أقل منه حظا وحيلة في هذه الدنيا اللامتكافئة..
لدينا عقدة المال والجاه والسلطة، لذلك بمجرد أن تؤول لأحدهم الأمور ينتقم من الآخرين وأولهم أصدقاؤه وربما أهله، ويتعاون مع الدنيا ضدهم، وتبدأ «الحكرة» بالنظرات المتفحصة التي يلسعك بها الآخرون، إن نجحت في الامتحان وكنت في المستوى المطلوب حافظت على كرامتك، وإن رسبت فتوقع كل أساليب الإهانة والتجريح والاستخفاف.. ولو صمتا..
أصبح الناس يساومون على كل شيء، يعيشون في خوف وقلق وتوجس وحذر وترقب بأحاسيس سلبية وأعصاب متوترة ورغبة دائمة في استعراض المعارف –وأية معارف- والسلط دون السعي نحو المحبة.
«الحكرة» عملة المغربي في التعامل مع أخيه، كل واحد يقسو على من يعتقده أدنى منه وأضعف وأقل جاها ونفوذا ودراهم، كل واحد ينهش في لحم أخيه كحيوانات الغابة المفترسة دون رأفة أو رحمة أو مودة.. بلا إنسانية.
وهناك من لا يستثني نفسه من هذا الإحساس، وهم كثر نصادفهم في كل مكان، أولئك الذين لم يفهموا بعد أن الاستعمار قد رحل منذ زمن بعيد، بمجرد أن يلمحوا شخصا أشقر بعيون ملونة ينحنون ضعفا ومذلة، يبيعونك برخص طلبا في إرضاء عقدة الإحساس بالنقص والدونية التي تسكن أعماقهم..
«الحكرة» سلاح الضعفاء في المحاربة، وعنوان لفقدان الثقة بالنفس وبالقدرات الشخصية وروح تدميرية تجهز على كل شيء، فهناك من يهدم ما بداخلك وهناك من يبنيه، ونحن أحوج إلى من يشجع روح البناء والخلق والمبادرة، تعبنا من التحقير والتصغير والتحطيم والحسد القاتل، مللنا من الانكسار، هوت روحنا من النكسات..
نريد أن نفرح، أن ننجح، أن نصعد منصات التتويج باستحقاق، أن نحمل الورود، أن يعلو علم الوطن مرفرفا منتشيا سعيدا شامخا، أن نرى البسمة على الشفاه، أن نكرم بعضنا البعض ونصفق للنجاح، أن نسمو بمغربيتنا ونعتز بالانتماء إلى هذا الوطن..
كفى من «الحكرة» ولو بين بعضنا البعض، تكفينا «حكرة» الأقوياء فنحن صغار جدا.

العدد 685

الإخلال بالاحترام الواجب للوطن

نوفمبر 2, 2008

لا يكاد يمر شهر دون أن نسمع عن محكمةمن محاكم المملكة تتابع شابا أمامها بتهمة الإخلال بالاحترام الواجب للملك. منذ عهد الحسن الثاني والمتهمون بهذه الجريمة يمرون أمام محاكم المملكة وينتهون في السجن. أحدهم لم يكن سوى تلميذ في قسم للإعدادي طلب الأستاذ منه، ومن زملائه، أن يحكوا له عن الأحلام التي رأوها مؤخرا. فلما جاء دور التلميذ لكي يروي حلمه، وقف وقال بأنه رأى فيما يرى النائم أن النظام في المغرب قد سقط. فهزها الأستاذ «سخونة» للمدير والمدير هزها بدوره قبل أن تبرد في يده إلى القائد والقائد إلى الباشا والباشا إلى العامل. وهكذا وجد التلميذ نفسه أمام القاضي يستجوبه عن هذا الحلم اليساري المتطرف الذي تجلى له في المنام. وكأن التلميذ كان عليه أن يبلغ عن نفسه لدى الشرطة بمجرد تورطه في هذا الحلم الذي زاره دون إرادته، حتى يتبرأ منه ويثبت حسن أحلامه، حتى لا نقول حسن نيته.
ورغم أن القاعدة الأصولية تقول بأن القلم مرفوع عن النائم حتى يستيقظ، إلا أن القانون المغربي لا يعترف، عندما يتعلق الأمر بالملكية، لا بالشواهد الطبية التي تثبت جنون وحمق الذين يقلون على الملك الاحترام، ولا بأحلام العاقلين النائمين منهم. فتم الحكم على التلميذ بالسجن النافذ. والعجيب أنه في الماضي كان المتهمون في مثل هذه القضايا يمثلون أمام القضاء مساندين بمحاميهم، وليس مثل اليوم حيث يحكم القضاء عليهم في أول جلسة دون تمتيعهم بحق الدفاع. وهكذا تدخل محامي التلميذ وقال للقاضي بأنه عندما يرسل تلميذا في السادسة عشرة من عمره إلى السجن فإنه يحرم المجتمع من مواطن كان يمكن أن يكون في المستقبل طبيبا أو مهندسا أو حتى رئيس دولة. وهنا وقفت للقاضي قرون الاستشعار بمجرد سماعه للمنصب المستقبلي الذي قد يحتله التلميذ. وبما أن نظام الحكم في المغرب ملكي، ولا يسمح لأي فرد من أفراد الشعب بأن يطمح لأن يكون في يوم من الأيام رئيس دولة، فقد أمر القاضي باعتقال المحامي ومحاكمته بسبب مجرد تخيله إمكانية تطبيق النظام الجمهوري ذات يوم في المغرب. وحكم عليه بسنتين سجنا نافذا، وهكذا كان قدر التلميذ أن يغادر السجن قبل محاميه.
واليوم، والمغرب يقترب من إقفال السنة العاشرة على انطلاق العهد الجديد، تصدر المحكمة حكما بالسجن في حق شاب في الثامنة عشرة من عمره لسنة ونصف، قبل أن تقرر متابعته في حالة سراح، لأنه كتب على الحائط شعار المملكة، وعوض شعار الملك فيه بشعار «البارصا».
الحكم اعتبره الجميع في المغرب قاسيا جدا، وكان يمكن أن يعالج بطريقة أخرى أقل تشنجا. أما جيراننا الإسبان فقد فقدوا صوابهم وجن جنونهم. خصوصا محبو فريق «البارصا». وذهبت إدارة الفريق البرشلوني إلى حد منح التلميذ ياسين بلعسل جواز سفر رمزي. ففي إسبانيا هناك ديانة يمارسها الملايين بخشوع عميق وهي كرة القدم. ويمكنك في إسبانيا أن تسب وتشتم الملك خوان كارلوس وعائلته وجذوره أجمعين، لكن عليك أن تنتظر الزوابع والتوابع إذا أنت غامرت وشتمت «البرصا» أو «ريال مدريد». فكرة القدم هي المقدس الوحيد عند الإسبان. وفي الوقت الذي تقفل الكنائس أبوابها بسبب ندرة المصلين تبني الدولة المزيد من الملاعب لاستيعاب ملايين المتعبدين في المدرجات والمتهجدين بترتيل الأناشيد الرسمية للفرق الكروية.
ولعل الجميع لاحظ أن العدالة المغربية بسقوطها في فخ إصدار هذه الأحكام المفرطة في القسوة في قضايا الإخلال بالاحترام الواجب للملك، ساهمت في إضفاء مسحة من السخرية السوداء على القضاء المغربي.
فسمعنا الشاب المغربي المتابع في قضية «البارصا» يقول بأنه لم يكن يقصد بما كتب ملك المغرب وإنما ملك الجزائر. فنبهته المحكمة إلى أن الجزائر لديها نظام جمهوري وليس نظام ملكي. ولو أنني أختلف مع المحكمة الموقرة فيما ذهبت إليه بخصوص النظام الحاكم في الجارة الجزائر. فلا هو نظام جمهوري ولا هو نظام ملكي. خصوصا أن الرئيس بوتفليقة يستعد للجلوس على عرش قصر المرادية لولاية ثالثة على التوالي. وحتى إذا تخلى عن الرئاسة، أو تخلت عنه، سيرثها من بعده أحد رجالات الجيش الأقوياء.
وما قاله الشاب المتابع في قضية «البارصا» بخصوص ملك الجزائر، يشبه كثيرا تلك النكتة التي انتشرت في عهد الحسن الثاني، والتي تقول أن شابا أحمق هرب من البيت إلى الشارع وبدأ يشتم ويسب الملك. ولأن والدته كانت خائفة عليه من الاعتقال والمحاكمة بتهمة إهانة المقدسات، رغم شواهده الطبية التي لن تنفعه أمام القاضي، فقد كانت تركض خلفه وتصرخ ملء صدرها كلما أطلق ولدها شتيمة في حق الملك قائلة «وتاع صبانيا تاع صبانيا». وهكذا ظلت الأم المسكينة تركض وراء ابنها ناشرة هذا التوضيح في كل الأماكن التي يطلق فيها هذا الأخير شتائمه المجنونة، حتى تحميه من شر المتابعة.
وإذا كانت هذه الحكاية يرددها المغاربة على سبيل النكتة، فإن أحكاما قضائية صدرت مؤخرا تفوقت على هذه النكتة، بحيث تستحق أن تدرج في كتاب خاص بالأحكام الغريبة يكون عنوانه «غير شد كرشك وضحك».
وأحد هذه الأحكام هو الحكم على سيدة وقفت أمام المحكمة تطلب الطلاق بستة أشهر سجنا نافذا، لأنها قالت للقاضي عندما سألها عن أسباب طلبها للطلاق بأن زوجها لا يهز ولا يحط، وأنه يبقى في البيت طيلة النهار واضعا رجلا فوق رجل «بحال شي ملك». وهكذا لم ينفع القضاء ولا مدونة الأسرة الزوجة في التخلص من زوجها الكسول، وإنما زوجها الكسول هو الذي تخلص منها بعد أن أرسلها القاضي إلى السجن بتهمة الإخلال بالاحترام الواجب للملك. مع أن ما قالته الزوجة ليس فيه أي قصد للإساءة إلى الملك، كما أنها لم تحدد عن أي ملك من الملوك تتحدث، فعددهم في العالم كبير. كما أننا لا نعرف هل تتحدث عن الملك كمنصب سياسي أم الملك كمنصب فخري كملك الجمال أو ملك كمال الأجسام.
وفي الوقت الذي ينشغل فيه القضاء والإعلام بمتابعة المتورطين في تهمة الإخلال بالاحترام الواجب للملك، لم نسمع إلى حدود اليوم وكيلا للملك يتابع مسؤولا واحدا بتهمة الإخلال بالاحترام الواجب للوطن. مع أن الوطن هو أحد المقدسات الثلاثة التي ينص عليها الدستور في ديباجته.
وعندما نطالع بلاغ وزارة الداخلية الذي تتحدث فيه عن مبلغ850 مليون سنتيم التي وفرتها الدولة لمساعدة منكوبي الفيضانات، ثم نستمع إلى رئيس مجلس العيون وهو يتحدث في ندوة بالدار البيضاء عن تخصيص مبلغ 600 مليون، أي نصف المبلغ الذي رصدته الدولة لضحايا الفيضانات، لمهرجان «روافد أزوان»، نفهم المعنى الحقيقي للإخلال بالاحترام الواجب للوطن.
عندما نرى كيف خصص السيد مزوار وزير المالية مبلغ 23 مليون درهم في قانون ماليته للسنة المقبلة لميزانية عشب الغولف الملكي بالرباط، الذي يأتي إليه علية القوم لدحرجة كراتهم نحو الحفر وتسلية أنفسهم، ونقارن بين هذا المبلغ السخي ومبلغ 580 مليون سنتيم التي خصصتها الدولة لإنقاذ عشرات الآلاف من المنكوبين ومواساة العشرات من القتلى والمفقودين داخل حفر حقيقية هذه المرة وليس حفر الغولف الضيقة، نفهم المعنى الحقيقي للإخلال بالاحترام الواجب للوطن.
عندما نرى كيف يمنح عمدة الدار البيضاء، محمد ساجد، مبلغ 580 مليون سنتيم للمخرج السينمائي نبيل عيوش لكي يبني قاعات سينمائية في الأحياء الشعبية بالدار البيضاء، ونقارن بين هذا المبلغ الذي أخذه شخص واحد وبين مبلغ 850 مليون سنتيم التي ستوزع على الآلاف من المواطنين لإعادة بناء مساكنهم المدمرة في طنجة والناظور والراشيدية وميسور وغيرها من المناطق، نفهم المعنى الحقيقي للإخلال بالاحترام الواجب للوطن.
عندما تتبرع دولة أجنبية كإسبانيا على صندوق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية هذا الأسبوع بمبلغ 200 مليار سنتيم (200 مليون أورو)، ونرى كيف «تتبرع» الدولة والحكومة المغربية على مواطنيها بهذا المبلغ التافه، الذي لا يساوي حتى ميزانية مهرجان سخيف من المهرجانات التي تعج بها المملكة، نفهم المعنى الحقيقي للإخلال بالاحترام الواجب للوطن.
لكن للأسف قلة الاحترام هذه في حق الوطن لا تستحق من أية جهة قضائية متابعة المتورطين فيها. فالوطن من كثرة ما أهينت كرامته ومرغت في الوحل أصبح متعودا على السماح في حقه. ولذلك نجح كل هؤلاء الذين يهينونه ويقلون احترامهم عليه يوميا في جعل ثلاثة ملايين من أبنائه يغادرونه من أول فرصة أتيحت لهم. والبقية يحلم جزء كبير منها بهذا «الفرار الكبير» كل ليلة.
وكما أننا لا نقبل أن يهان الملك أو يقلل أحدهم من الاحترام الواجب لشخصه، فإننا لا نرضى أيضا أن يهان الوطن ويهان أبناؤه باستصغار معاناتهم وازدراء أرواحهم وأرواح أبنائهم. أما الله تعالى فقادر أن يتولى من يهين اسم جلالته بعقابه أو رحمته التي وسعت كل شيء.

رشيد نيني

جريدة المساء – العدد 658

القتل العمد

أكتوبر 18, 2008

أغمضوا أعينكم للحظة تخيلوا أنكم تسحبون آباءكم وأمهاتكم إلى دور العجزة أو تلفظونهم في الشارع، ستقشعر أبدانكم فجأة ستفتحون أعينكم لتتأكدوا أنه كابوس مخيف استدرجتكم إليه دون حياء، لكنها حقيقة مخيفة بدأت تظهر بقوة في مجتمعنا المتغير، هناك فعلا مخلوقات ينعتون بالأبناء- ذكورا وإناثا لهم شكل إنسان، أرجل أيد عيون وألسنة، لكنهم بلا قلب..
مجرمون لهم آباء يقبعون بدور العجزة أو عند الأقارب أو يفترشون الأزقة الباردة، يلزم الإمساك بهم الزج بهم، في السجون لارتكابهم القتل العمد في حق آبائهم، لأنهم حملوا نعشهم قبل موتهم بعد أن عذبوهم دون رأفة، وقسوا عليهم ورموا بهم في الشارع غير عابئين بهم..
آباء أمهات أصبحوا يشكلون ماض غير مرغوب لأبنائهم الجاحدين الذين تخلصوا منهم كما نفعل بالقمامة، رموا بهم بعد أن انتهت صلاحيتهم، تركوهم لمصير مخزي..
حينما ترزق بأطفال، تربيهم تعتني بهم تشقى لأجلهم لا تتنبأ أبدا بمستقبلهم ولا بما سيؤولون إليه حينما سيكبرون، الأطفال كالزرع.. لا تدري إن كان سيثمر أم لا..
لكنني لا أعتقد أن أبا أو أما سيفكر يوما أن ابنه الذي رباه تعب لأجله، سيتخلى عنه في نهاية العمر حينما سيسلبه الدهر قوته عنفوانه كرامته، مستحيل أن يتوقع أن صغاره الذين كبروا سيتنكرون له حينما سيصبح لا حيلة له.. وحيدا، حزينا، جريحا مطعونا بيد كانت يوما ما صغيرة مرتعشة هو من نظفها داعبها أمسك بها كي يتعلم صغيره المشي الأكل الركض ربما الحروف الأبجدية.
ما معنى أن ينتهي آباء أمهات لهم أبناء في دور العجزة؟
قد تسخر منك الحياة تشمت بك، وقد تقسو الأيام وتشحذ، لكن أن يرمي بك أبناؤك كحيوان مريض فذاك فعل لايحتمل..
حينما شاهدت تلك الأم المخذولة تذرف حبات الدمع يوم العيد، في ربورطاج إخباري عن دار العجزة بتيط مليل بالدار البيضاء، أحسست بحجم الحزن الذي تعيشه، فالدمع الغزير والنحيب المر عنوان لشعور قاس أليم موجع بالمهانة الوحدة النهاية الذليلة.
أمّ تعبت سهرت ضحت في انتظار أن تكافأ من أبنائها بالدفء الستر الحنان الأمان الكلمة الطيبة، أمّ لابد أنها كانت آخر من ينام تنظف تغسل تطبخ تكوي تخيط لاتشكو..
ككل أمهاتنا الحنونات، الصابرات، المكافحات، المبتسمات دوما..
لكنها تنتهي يوم عيد وحيدة دون أبناء ولا حفدة، تستمر في خدمتهم غير مكترثة لتعبها مرضها ضعفها، سعيدة بوجودهم معها التفافهم حولها، كأن ذاك الحبل السُّري الإلهي الذي ربطهم بها أجنة بداخلها، مازال لم ينقطع وسيظل يربطهم إلى الأبد.
لكن الحقيقة المريرة هي أن هناك أبناء اجتثوا ذاك الحبل السُّري رموه للقطط الجائعة، وتركوا جرح آبائهم الطري ينزف بلا رأفة، أبناء أتمنى أن يصابوا بحمى تأنيب الضمير وتتحرك جوارحهم يحن قلبهم يسارعون بضم آبائهم أمهاتهم ليستسمحوهم يغمروهم بحبهم عطفهم..
آباء أمهات أشبه بالموتى، وخزهم فلذات أكبادهم بسم الجحود القاتل، وتركوهم يصارعون الوحدة الأسرة الباردة ذكريات سنين طويلة لاعبوهم حملوهم على أكتافهم سهروا ليالي مرضهم بكائهم، وحملوا همّ تدريسهم تربيتهم رعايتهم..
لاحول ولا قوة إلا بالله.. حسبي الله ونعم الوكيل.

بشرى ايجورك

حلال علينا.. حرام عليكم

أكتوبر 8, 2008

في حوار مع المجلة الأمريكية «كاثوليك ديجاست»، تحدث المرشحان للرئاسة الأمريكية عن الطريقة التي يرون بها الدين. فباراك أوباما صرح قائلا: «إن عقيدتي المسيحية لها تأثير على كل ما أقوم به… لقد ساعدتني على تشكيل قيمي وأفكاري… إن الصلوات مهمة جدا بالنسبة إلي… إنها تجعلني أكثر قوة وتقودني طوال اليوم. أنا لا أعتقد أنه على الرئيس أن يتجنب تطبيق المبادئ التي يعتبرها مهمة بالنسبة إليه».
وصرح جون ماكين بالقول: «أن يرشدك إيمانك شيء مهم في نظري، مثله مثل محاولة العيش في تناغم مع القيم المسيحية اليهودية التي ألهمت أسلافنا والتي تلهمني كل يوم. لكل أسرة أمريكية الخيار (الذي له مع زوجته سيندي). لقد بعثنا أطفالنا إلى المدرسة الكاثوليكية لأنه كانت لدينا الإمكانية لذلك. أريد لكل أمريكي أن تكون له إمكانية لاتخاذ هذا الخيار».
أما سارة بالين، فقد أظهرها شريط فيديو تم بثه الأربعاء الرابع والعشرين من شهر شتنبر الماضي على موقع اليوتوب وهي تتلقى بركات في الكنيسة من قس كيني كان يصلي حتى تتم حمايتها من «الشعوذة». في هذا الفيديو نرى المرشحة لمنصب نائب الرئيس الأمريكي واقفة أمام القس توماس موتي في كنيسة «لاسوبلي دو ديو»، هذا الأخير يطلب من المسيح أن يقي سارة بالين من «كل أنواع الشعوذة».
« تعال، تكلم مع رب هذه المرأة. احمها من الشيطان»، يقول توماس موتي، بينما يضع اثنان من معاونيه يديهما على كتفي سارة بالين التي كانت قد قالت في يونيو الماضي أمام مجموعة من طلبة اللاهوت في الكنيسة القديمة بألاسكا: «صلوا من أجل جنودنا النساء والرجال الذين يقومون بمجهودات للقيام بما هو صحيح، ومن أجل هذا الوطن وقادته الذين أرسلوهم للقيام بعمل من الله… لهذا يجب علينا الصلاة لكي تكون هناك خطة، وأن هذه الخطة هي من عند الله»، تقول بالين، قبل أن تطلب منهم أيضا الصلاة من أجل خط أنابيب الغاز الذي يكلف 30 مليار دولار والذي سيتم بناؤه في ألاسكا.
« أظن أن إرادة الله يجب أن تتم لتوحيد الأشخاص والشركات من أجل بناء أنابيب الغاز، لذلك صلوا».
بعد قراءة هذه التصريحات، ومشاهدة شرائط الفيديو، لا يمكن للمرء إلا أن يفاجأ ويظل مشككا. بطبيعة الحال، فإن مرشحي الرئاسة الأمريكية ونائبيها لهم كامل الحرية في التعبير عن معتقداتهم الدينية والتحدث عن التأثيرات التي لهذه الأخيرة على سلوكهم اليومي وحتى على تفكيرهم وقراراتهم السياسية.
ألا تذكّر هذه التصريحات برائحة روح الحروب الصليبية التي وقعت في القرون الوسطى؟
نحن غير بعيدين عن العلمانية التي يدعي الغرب أنها تسود فيه؟
فلنتخيل أن رئيس دولة إسلامية صرح بمثل ما صرحوا به، ألن يتم التشهير به من طرف الغرب نفسه؟ ألن يتم نعته بالمتعصب؟ ألن يتم اتهامه بالظلامية وقيادة الجهاد إن سمح لنفسه بالتصريح بأن الله والإسلام يقودان كلماته وأفعاله؟
ألن يكون هناك تصلب في المواقف الغربية؟ أليس هذا ما حدث مع حماس والقادة الإيرانيين؟ هل نستطيع فقط أن نتخيل ردة فعل الغرب إذا رأينا على موقع يوتوب شيخا يطلب من النبي محمد (ص) أن يحمي الرئيس الإيراني أحمدي نجاد من «جميع أنواع الشعوذة»، أو قائدا مسلما آخر مثل الرئيس هنية أو زعيم حزب الله
اللبناني حسن نصر الله؟ ألن يتم الحديث عن ممارسات القرون الوسطى الظلامية، وحتى الطقوس الشيطانية؟
بماذا يختلف خطاب أيمن الظواهري وبن لادن عندما يؤكدان، مثل أوباما وماكين وسارة بالين، أن «عقيدتهما الإسلامية تؤثر على كل
ما يقومان به، وأنها تساعدهما على تشكيل قيمهما وأفكارهما، وأن الصلاة مهمة بالنسبة إليهما، وأنها تجعلهما أكثر قوة وترشدهما في كل ما يقومان به طوال اليوم».
إنهما وجهان لعملة واحدة، لكن هل لكل واحد منهم إلهه؟

خـالد الجـامعي


تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.